ابن ميثم البحراني

292

شرح نهج البلاغة

إذا عرفت ذلك فنقول : موارد تلك الكمالات من العلوم والأخلاق هي معادنها ومواطنها المنتزعة منها وهي النفوس الكاملة الَّتي يهتدى بها وتؤخذ عنها أنوار اللَّه كالأنبياء ، وتصدق تلك الموارد أيضا على بدايع صنع اللَّه الَّذي يردّها ذهن العبد وتكسب بها الملكات الفاضلة وسهولة تلك الموارد لهم هو سرعة قبولهم لأخذ الكمالات عنها بسهولة بأذهان صافية هيّأتها العناية الإلهيّة لقبولها ويسرّ بها لذلك . ( يب ) فشرب نهلا : أي أخذ تلك الكمالات سابقا إليها كثيرا من أبناء نوعه ومتقدّما فيها لسهولة موردها عليه ، وهي ألفاظ مستعارة لأخذه لها وسبقه إليها ملاحظة لشبهه بشرب السوابق من الإبل إلى الماء . ( يج ) كونه قد سلك سبيلا جددا : أي سبيل اللَّه الواضح المستقيم العدل بين طرفي التفريط والإفراط . ( يد ) كونه قد خلع سرابيل الشهوات . أكثر الأوصاف السابقة أشار فيها إلى تحصيل العلم والاستعداد له ، وأشار بهذا الوصف إلى طرف الزهد ، واستعار لفظ السرابيل للشهوات ، ووجه المشابهة تلبّس صاحبها بها كما يتلبّس بالقميص ، ورشّح بلفظ الخلع ، وكنّى به عن طرحه لاتّباع الشهوة والتفاته عنها فيما يخرج به عن حدّ العدل . ( يه ) وتخلَّى من الهموم إلَّا همّا واحدا أي من هموم الدنيا وعلائق أحوالها وطرح كلّ مقصود عن قصده إلَّا همّا واحدا انفرد به ، وهو الوصول إلى مراحل عزّة اللَّه وتوجيه سرّه إلى مطالعة أنوار كبريائه واستشراقها وهو تمام الزهد الحقيقيّ وظاهر كونه منفردا عن غيره من أبناء نوعه . ( يو ) فخرج عن صفة العمى : أي عمى الجهل بما حصل عليه من فضيلة العلم والحكمة وعن مشاركة أهل الهوى في إفراطهم وفجورهم إذ هو على حاقّ الوسط من فضيلة العفّة . ( يز ) فصار من مفاتيح أبواب الهدى . فأبواب الهدى هو طرقه وسبله المعدّة لقبول من واهبه وقد وقف عليها العارفون ودخلوا منها إلى حضرة جلال اللَّه فوقفوا على مراحلها ومنازلها ومخاوفها فصاروا مفاتيح لما انغلق منها على أذهان الناقصين ، ومصابيح فيها لنفوس